القائمة الرئيسية

الصفحات

بناء الذات ابدأ من الصفر للدكتور ياسر الحزيمي رحلة من الداخل إلى الأعلى

 




في محاضرة مليئة بال بصيرة والعمق، يأخذنا الدكتور ياسر الحزيمي في رحلة داخلية لا تقل أهمية عن أي رحلة خارجية: رحلة بناء الذات من الداخل، من نقطة الصفر. لا يقدّم ياسر هنا وصفات جاهزة أو عبارات تحفيزية سطحية، بل يضع بين أيدينا خريطة طريق واقعية، مبنية على مبادئ نفسية وعملية، تُمكّن الإنسان من أن يصوغ ذاته بيديه، خطوةً خطوة. يركّز على فكرة جوهرية مفادها أن النمو الحقيقي لا يبدأ بقراءة كتب كثيرة أو حضور دورات متتالية، بل من لحظة القرار الواعي بأن تكون نسخة أفضل من نفسك.

يوضح الدكتور الحزيمي أن بناء الذات ليس ترفا فكريا، بل ضرورة حيوية في عالم مليء بالتشتت والضغوط. ويبدأ بشرح كيف أن الانضباط الذاتي هو حجر الزاوية في أي تغيير حقيقي. فالانضباط ليس قمعًا للحرية، بل تحررا من فوضى العادات السلبية. ومن خلاله، يصبح الإنسان قادرا على تصميم روتين يومي يعكس أولوياته الحقيقية، لا مجرد ردود أفعال تلقائية على المحيط. ويؤكد أن الروتين ليس سجنا، بل إطار يمنح للوقت معناه، ولليوم اتجاهه.

ومن القضايا المحورية التي يتناولها ياسر هو الثقة بالنفس، لا كمشاعر عابرة، بل كبنية داخلية تبنى عبر الإنجازات الصغيرة المتراكمة. فكل مرة تنفذ فيها ما وعدت نفسك به — حتى لو كان مجرد الاستيقاظ مبكرا أو قراءة صفحات قليلة — فإنك ترسل لإدراكك رسالة: "أنا ألتزم، وأنا جدير بالثقة". ويشرح أن الثقة لا تُنتظر حتى نصبح "مثاليين"، بل تُغذى يوميا من خلال الالتزام بما نختاره لأنفسنا.

كما يولي الدكتور اهتماما خاصا لمفهوم التحفيز الداخلي، موضحا الفرق بين من يتحرك خوفًا من الفشل أو طمعًا في الإعجاب، ومن يتحرك بدافع داخلي صادق — مثل حب التعلّم أو الرغبة في خدمة الآخرين. ويؤكد أن الدافع الداخلي هو الوحيد القادر على دفع الإنسان للاستمرار عندما يغيب التصفيق، وعندما تصبح الطريق صعبة. وهو ما يجعل التقدم مستداما، لا لامعا لفترة قصيرة.

ولا يغفل ياسر الجانب العاطفي والروحي في عملية البناء الذاتي. فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا كان العقل الباطن مليئا بالمعتقدات المحدودة مثل أنا لست كافيا أو النجاح ليس لي. لذلك، يقدم تقنيات عملية لـإعادة برمجة العقل الباطن، من خلال التأمل، تمارين الامتنان، ومحادثة الذات بلغة إيجابية. ويوضح أن التغيير الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن محاربة أنفسنا، ونبدأ في رعايتها كصديقٍ نُريد له الأفضل.

ومن الأفكار المهمة التي يعرضها أيضا هو تحويل التحديات إلى بوابات نمو. فبدلا من رؤية العقبات كأعداء، يشجعنا على طرح سؤال مختلف: "ما الذي يحاول هذا الموقف أن يعلّمني إياه؟". بهذا التحوّل في المنظور، تصبح الصعوبات فرصًا لاختبار قوتنا، وتعلّم مهارات جديدة، وتنمية الصبر والإصرار. ويؤكد أن النمو لا يحدث في منطقة الراحة، بل في منطقة "التمدد"، حيث نشعر بعدم الارتياح، لكننا نختار أن نستمر.

ويختتم الدكتور حديثه بتذكير المستمع بأن بناء الذات ليس هدفًا نهائيًّا نصل إليه لنرتاح، بل رحلة مستمرة من الوعي والتعديل والارتقاء. فكل يوم هو فرصة جديدة لإعادة التقييم، لتعديل المسار، ولإضافة طبقة جديدة على شخصيتنا. وما يهم ليس الكمال، بل الاتجاه: هل أنت اليوم أفضل قليلاً مما كنت عليه بالأمس؟

لا تقدم محاضرة الدكتور ياسر الحزيمي قائمة بالأوامر، بل توقظ فينا الإحساس بالمسؤولية تجاه أنفسنا. فهي دعوة هادئة لكنها قوية: أن تتولى قيادة حياتك، أن تختار قيمك، وأن تبني نفسك ليس كما يريد العالم، بل كما ترى أنت أنك تستحق أن تكون.








تعليقات