القائمة الرئيسية

الصفحات

الصحة الرقمية في عصر التكنولوجيا كيف تحافظ على صحتك الجسدية والنفسية في عالم رقمي متسارع؟

 




في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، تغيّر نمط المعيشة بشكل جذري، حيث يقضي الإنسان ساعات طويلة أمام الشاشات سواء في العمل أو التعلم أو الترفيه، مما أدى إلى ظهور مفهوم جديد يُعرف بـ”الصحة الرقمية”، وهو مفهوم يركز على كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل متوازن يحافظ على صحة الإنسان الجسدية والنفسية في ظل هذا التطور السريع.





تشير الدراسات الحديثة إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب يؤدي إلى العديد من المشكلات الصحية مثل آلام الرقبة والظهر، ضعف النظر، اضطرابات النوم، التوتر، القلق، والعزلة الاجتماعية، كما أن الجلوس لفترات طويلة دون حركة يزيد من خطر الإصابة بالسمنة، وأمراض القلب، ومرض السكري، وهو ما يجعل الاهتمام بالصحة الرقمية ضرورة حقيقية وليست مجرد رفاهية.





وتكمن خطورة العالم الرقمي في أنه يمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالإنتاجية والانشغال المستمر، بينما في الحقيقة قد يكون السبب الرئيسي في الإرهاق الذهني وضعف التركيز، حيث تؤثر الإشعارات المستمرة والتنقل السريع بين التطبيقات على القدرة على التركيز العميق وإنجاز المهام بكفاءة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى الضغط النفسي والإجهاد العقلي.





ومن أهم أسس الحفاظ على الصحة الرقمية هو تنظيم وقت استخدام الأجهزة الذكية، من خلال تحديد عدد ساعات يومية لاستخدام الهاتف، وتقليل التصفح العشوائي، وإيقاف الإشعارات غير المهمة، خاصة قبل النوم بساعتين على الأقل، لأن الضوء الأزرق الصادر من الشاشات يؤثر بشكل مباشر على إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، مما يسبب الأرق واضطرابات النوم المزمنة.





كما يُنصح باتباع قاعدة 20-20-20 للحفاظ على صحة العين، وهي أن يأخذ الشخص استراحة كل 20 دقيقة بالنظر إلى شيء يبعد 20 قدمًا لمدة 20 ثانية، مما يخفف من إجهاد العين ويقلل من خطر ضعف النظر، بالإضافة إلى ضبط إضاءة الشاشة والجلوس بوضعية صحيحة لتجنب آلام الرقبة والظهر.






ومن الجوانب النفسية المهمة في الصحة الرقمية هو تجنب المقارنات المستمرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تؤثر الصور المثالية والحياة المزيفة التي يعرضها البعض سلبًا على الصحة النفسية وتسبب الاكتئاب وانعدام الرضا عن الذات، ولذلك يجب التعامل مع هذه المنصات بوعي وإدراك أن ما يُعرض ليس الصورة الكاملة للحياة.





كما يُنصح بتخصيص وقت يومي بعيدًا تمامًا عن الشاشات لممارسة نشاط بدني مثل المشي أو الرياضة أو القراءة الورقية أو الجلوس مع العائلة، لأن هذا التوازن بين العالم الرقمي والعالم الواقعي هو الأساس الحقيقي للصحة الجسدية والنفسية.




وفي المقابل، فإن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تكون عاملًا إيجابيًا في تحسين الصحة إذا تم استخدامها بشكل ذكي، حيث توجد تطبيقات لمتابعة النشاط البدني، تنظيم النوم، حساب السعرات الحرارية، تمارين الاسترخاء، والتأمل، كما توجد منصات طبية رقمية تتيح الاستشارات عن بعد ومتابعة الحالة الصحية بسهولة.




ومع تطور الذكاء الاصطناعي أصبحت الأنظمة الصحية الرقمية قادرة على تحليل البيانات الصحية والتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها في بعض الحالات، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة لمستقبل الرعاية الصحية الرقمية، خاصة في الدول النامية التي تعاني من ضعف الخدمات الطبية التقليدية.





وفي الوطن العربي بدأ الاهتمام بالصحة الرقمية يظهر بشكل واضح مع انتشار التطبيقات الصحية وزيادة الوعي بأهمية نمط الحياة الصحي، خصوصًا بعد جائحة كورونا التي غيرت مفهوم الرعاية الصحية والتعليم والعمل عن بُعد، وأثبتت أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا لا يمكن الاستغناء عنه.




وفي الختام يمكن القول إن الصحة الرقمية لم تعد خيارًا بل ضرورة في زمن تحكمه الشاشات، ومن ينجح في تحقيق التوازن بين استخدام التكنولوجيا والحفاظ على صحته الجسدية والنفسية فإنه يضمن لنفسه حياة أكثر استقرارًا وإنتاجية وسعادة على المدى الطويل.





تعليقات